شارة الشجاعة القرمزية

مقطع من رواية للكاتب الأمريكي

ستيفن كرَين

تراجع الفتى عن الرتل المتحرك حتى غاب الجندي ذو الأسمال عن ناظريه، ثم عاود المسير مع الآخرين، لكنه وجد نفسه في وسط حشدٍ من الجرحى المضرجين بالدماء.

كان سؤال الجندي ذي الأسمال قد جعله يشعر بأن عاره صار مكشوفاً للعيان، فأخذ يختلس النظرات الى الجانبين ليتأكد إن كان الرجال يبصرون أحرف الخطيئة الموشومة بالنار على جبينه. كان ينظر أحياناً الى الجنود المصابين بعين الحسد، ويعدُّ الرجال الذين تمزقت أجسادهم أناساً سعداء على نحوٍ خاص. وتمنى لو امتلك مثلهم جرحاً ما، شارةً قرمزيةً للشجاعة.

كان الجندي الشاحب كالأشباح الذي يسير الى جانبه يلُوح مثل تأنيبٍ منتصبٍ على قدمين، وكانت عيناه تحدقان في ثبات نحو المجهول، وأثار وجهه الرمادي المخيف انتباه الجمع فأخذ الرجال يبطئون كي يجاروا خطواته الحزينة، ويسايرونه، يناقشون مصيبته، يسألونه، ويمنحونه النصح، لكنه واظب على طردهم بعناد، والتلويح بيده كي يتركوه وشأنه. وأخذت الظلال تزداد عمقاً في وجهه، وبدت شفتاه المطبقتان كأنهما تحبسان أنّاتِ يأسٍ عظيم. وبدا في حركات جسده ضربٌ من التخشب، مثل من يبذل حرصاً شديداً ليمنع آلام جراحه من الاستيقاظ. وكان وهو يغذُّ الخطى كمن يبحث طوال الوقت عن مكانٍ بعينه، مثل إنسان يمضي ليختار قبراً.

وقفز الفتى كاللديغ وقد أثاره شيءٌ ما في مظهر الرجل وهو يبعد الجنود الجرحى الحادبين عليه فصرخ في هلعٍ، وتقدم نحوه مترنحاً ووضع يده الراعشة على كتفه، وعندما أدار الرجل وجهه الشمعي نحوه على مهلٍ صرخ ملتاعاً:

-" يا إلهي! جيم كونكلِن! "

فرسم الرجل الطويل ابتسامةً باهتةً على وجهه وقال:

-" أهلاً هنري "

تأرجح الفتى على ساقيه وحدق في ذهول، وأخذ يتمتم ويتلعثم:

-" آهٍ يا جيم.. آهٍ يا جيم.. آهٍ يا جيم.. آهٍ يا جيم ! "

أخرج الجندي الطويل كفه المدماة وقد امتزج عليها خليط من دمٍ أسود قديم ودمٍ قانٍ جديد.

- " أين كنتَ يا هنري؟" تساءل في صوتٍ رتيب "ظننتُ أنك قُتلتَ. لقد كان يوماً عصيباً. لقد خفتُ كثيراً "

واصل الفتى نواحه:

- " آهٍ يا جيم.. آهٍ يا جيم.."

- "أنت تعرف" قال الجندي الطويل "لقد كنتُ هناك" وأومأ بصعوبة "يا إلهي، أي سيركٍ كان هنالك! ولقد أُصِبتُ ، لقد أُصِبتُ. نعم يا فتى لقد أصبت"

وراح يؤكد هذه الحقيقة بطريقةٍ حائرةٍ، وكأنه لا يعرف كيف حدث الأمر.

ومد الفتى يديه الراجفتين كي يساعده، لكن الجندي الطويل مضى قدماً بإصرار وكأن شيئاً ما يدفعه دفعاً. والآن وقد صار لدى الجندي الطويل من يرعاه، فقد كف الجرحى الآخرون عن إبداء الكثير من الاهتمام، وانكفأوا ثانيةً يجرجرون مآسيهم الشخصية نحو الخطوط الخلفية.

وفجأةً، وأثناء سيرهما، تملك الجندي الطويل خوفٌ عظيم، واستحال وجهه الى ما يشبه الصلصال، فتشبث بذراع الفتى وأدار النظر حوله كما لو كان يخشى من يسترق السمع اليه، ثم راح يتحدث هامساً مرتجفاً:

- " أقول لك ما الذي أخشاه يا هنري. أقول لك ما الذي أخشاه. أنا أخشى أن أسقط، ثم ، أنت تدري- عربات المدافع اللعينة- سوف تدوسني. هذا ما أخاف منه..."

فصاح به الفتى في هستيريا:

- " سوف أعتني بك يا جيم! سأعتني بك! أقسم بالله أنني سأفعل!"

- " حقاً يا هنري؟ " تضرع اليه الجندي الطويل.

- " نعم.. نعم.. أقول لك، سأعتني بك يا جيم"

أكد الفتى متخبطاً في كلامه وقد غص بالعبرات. لكن الجندي الطويل واصل التوسل في صَغار. وتعلق بذراع الفتى كالأطفال. وتقلبت عيناه في صحراء خوفه.

- " لقد كنتُ دائماً صديقا وفيا لك، أليس كذلك يا هنري؟ لقد كنت دائما رفيقا ممتازا لك، أليس كذلك؟ وليس هذا بالطلب الكبير، أليس كذلك؟ أن تسحبني فقط خارج الطريق؟ كنت سأفعل هذا من أجلك لو أنك طلبته مني، أليس كذلك يا هنري؟"

وتوقف منتظرا رد صديقه في تلهفٍ يثير الشفقة.

وتملك الفتى حزن عظيم، فأخذ ينشج بدموعٍ سخينة، وجاهد كي يظهر إخلاصه، لكنه لم يقدر إلا على بعض الإيماءات الخرقاء. غير أن الجندي الطويل نسي فجأةٌ كل مخاوفه. وعاد من جديد شبحاً متجهماً منتصباً. ومضى يغذُّ السير بوجه متحجر. وتمنى الفتى لو أن صديقه استند عليه، لكن الأخير ظل يهز رأسه ويحتج بغرابة

-" كلا.. كلا..كلا.. أتركني يا فتى، اتركني.."

وثبتت عيناه من جديد على المجهول. كان ثمة هدف غامض يدفعه الى الحراك، وذهبت أدراج الرياح كل محاولات الفتى لمساعدته.

-" كلا، كلا، اتركني وشأني، أتركني يا فتى.."

واضطر الفتى الى الانصياع. وفي تلك اللحظة سمع صوتاً يهمس قرب كتفيه. فالتفت فإذا هو صوت الجندي ذي الأسمال:

-" يجدر بك إبعاده عن الطريق يا رفيقي. هناك بطارية مدفعية تنحدر في طريقها الينا، ولسوف تسحقه لا محالة. إنه على أية حال هالك خلال خمس دقائق كما ترى. من الأفضل أن تخرجه من الطريق. من أين يأتي بكل هذه القوة بحق الجحيم؟!"

-" العلم عند الله "

صاح الفتى وهو يهز يديه دون حول. وهرول على الفور وأمسك بذراع الجندي الطويل.

-" جيم، جيم " قال متلطفاً "تعال معي"

حاول الجندي الطويل أن يتخلص منه لكنه كان أضعف من أن يفعل.

-" هاه! " قال في بلاهةٍ وحدّق بالفتى لهنيهة. ثم تحدث أخيراً وكأنه يدرك بالكاد ما يقال:

-" أوه! الى الحقول؟ أوه!"

وانطلق دون هدى خلال الأحراش، والتفت الفتى فأبصر الركاب المندفعين والمدافع المترجرجة للبطارية القادمة، لكن صرخةً ثاقبة من الرجل ذي الأسمال أجفلته:

-" يا إلهي! إنه يركض! "

والتفت الفتى مسرعاً فأبصر صديقه يركض مترنحاً متعثراً نحو أجمة صغيرة. وكاد قلبه يثب من صدره لهذا المشهد فصاح متوجعاً، وبدأ هو والرجل ذو الأسمال بملاحقته. وانطلق الجميع في سباق شاذ غريب. وعندما أدركه الفتى أخذ يناشده بكل ما جعبته من كلمات:

-" جيم، جيم، ماذا تفعل؟ ما الذي يدفعك لفعل هذا. سوف تؤذي نفسك"

ولكن وجه الرجل الطويل ظل على تصميمه، وظل يحتج بطريقة بليدة وعيناه ثابتتان على المكان الغامض التي تنتهي اليه آماله.

-" لا، لا تلمسني! أتركني يا فتى! أتركني يا فتى"

وارتجف الفتى وغمره الخوف والدهشة، وتهدج صوته وهو يسأله:

-" الى أين تذهب يا جيم؟ ما الذي تنويه؟ الى أين تذهب؟ ألا تخبرني؟"

وتلفت الرجل الطويل مثل طريدةٍ حاصرها صيادون لا يعرفون الرحمة، واضطرمت عيناه بتوسل مُلحّ.

-" أتركني يا فتى، ألا تستطيع؟ أتركني لدقيقة واحدة"

وتراجع الفتى وقد غمرته الحيرة.

-" لماذا يا جيم؟ ما بك؟"

واستدار الرجل الطويل ومضى وهو يترنح بشكل خطير، وتبعه الفتى والجندي ذو الأسمال وهما يتلصصان مثل من يخشى سوطاً يرده على الأعقاب، وكانا يشعران بعجزهما عن مواجهته ثانية. وأحسا بأنهما يتهيآن لاحتفال مهيبٍ حزينٍ.

كان في حركات الجندي التعيس شيء أقرب الى طقسٍِ ديني لرجل نذر نفسه لعقيدةٍ وحشية مجنونة تمتص الدماء وتنتزع الأشلاء وتسحق العظام. وتراجعا وقد هيمن عليهما الخوف والخشوع، وكأنه يحمل بين يديه سلاحاً رهيباً فتاكاً.

وشاهداه أخيراً وقد توقف، ثم انتصب دون حراك. وحين هرعا اليه أبصرا وجهه وقد اكتسى تعبيراً ينم عن أنه وجد أخيراً ذلك المكان الذي جاهد لبلوغه. وانتصب بجسمه الهزيل، وتدلت يداه الملطختان بالدماء الى جانبيه دون حراك. كان ينتظر في صمت شيئاً جاء الى هنا من أجله. كان في الموعد تماماً.

وتوقفا منتظرين، ومرت برهة من الصمت. وأخيراً ارتفع صدر الجندي المنكود في حركة متشنجة ثم ازدادت الحركة عنفا وكأن حيواناً حبيساً يرفس ويركل كي يخرج من بين أضلاعه. وتلوّى الفتى من الألم وهو يرى صاحبه يختنق ببطء، وحين أدار الأخير عينيه نحوه أبصر فيهما شيئاً جعله ينهار الى الأرض وهو يُعوِل، ورفع صوته في نداءٍ أخير:

-" جيم، جيم، جيم.."

وران صمتٌ يملؤه الترقب. وفجأة تخشّب الجسد واستقام، ثم خضّته قشعريرة طويلة، وحدق الرجل في الفضاء، وأبصرا في أخاديد وجهه المتألم المريع مسحةً من جلالٍ عميق.

وشيئاً فشيئاً زحفت عليه هالة من غرابةٍ لفته تماماً. ولوهلة قصيرة دفعته ارتجافة ساقيه الى ما يشبه رقصة بدائية بشعة، وتطوحت يداه من حول رأسه في ضربات متتابعة وكأنها حركات جني مندفع. وتمطى جسده الطويل الى أقصى ارتفاعه, وسُمع صوت تمزقٍ خافت، ثم مال الجسد الى الأمام، في بطء واستقامة، مثل شجرةٍ هاوية، ودفعه التواء خاطف في العضلات الى أن يرتطم كتفه الأيسر بالأرض أولاً. وبدا جسده وكأنه يرتد عن الأرض قليلاً ثم يهمد.

-"يا إلهي!" صاح الجندي ذو الأسمال.

كان الفتى يتفرج مسحوراً ذاهلاً على هذا الموعد الاحتفالي. وتلوى وجهه مع كل تبريحة ألم تخيلها وهي تعتصر رفيقه المحتضر. وقفز منتصباً ثم تقدم منه، وحدق في الوجه الشبيه بالصلصال، والفم الفاغر والأسنان التي انكشفت عن ضحكةٍ غريبة. وحين انحسرت طيّة سترته أبصر ذلك الجانب من جسده وكأن ذئابا ضارية قد نهشته نهشاً. واستدار الفتى نحو ساحة المعركة في غضبٍ مستعر مفاجئ. وهز قبضته مثل من شرع في إلقاء خطبةٍ غاضبة:

-" الى الجحيم..!"

والتصقت الشمس الحمراء في عرض السماء مثل قطعة من البسكويت.

المصدر:

Crane, Stephen. The Red Badge of Courage. New York: W.W. Norton & Co., 1994.



هناك تعليق واحد:

Medkanour يقول...

تحية أدبية عطرة
شكرا على النص، أود أن أعرف أسماء من ترجم ستيفن كرين إلى اللغة العربية.
محمد قنور
مودتي

بحث هذه المدونة الإلكترونية