لعبة الخطار-قصة قصيرة


لعبة الخُطَار

في ذكرى "الخال رضا" .. الرجل/الملاك

-دَگ ... دَگ .. دووگ !
-منو ؟
-آني !
-ﭵـِق فـِق ! هلا بيكم عيني ! تفضلوا !
هكذا كانت تبدأ اللعبة .. المرة تلو المرة : يعتمر الصبي "سدارة" الجد البنية القديمة ويضع على كتفيه سترته الكحلية ذات النقاط الحمر الشبيهة بحب الرمان فتنسدل على جسده الصغير حتى تصل الأقدام ويحمل كيساً من الورق الأسمر يضع فيه برتقالة أو تفاحة ورغيف خبز ويقف قبالةَ بابٍ وهمي ويحاكي صوت الطرقات لتسأله الصغيرة الجالسة أمام طاقم الشاي –اللعبة وقد لفت جسدها بعبادة أمها السوداء عمن يكون، ثم تفتح الباب الوهمي محاكيةً صوت فتح الأقفال.. ليدخل الخطار وتبدأ اللعبة .. اللعبة التي لا يملان من تكرارها رغم تبدل الأدوار ودخول صغار آخرين من الزائرين وأطفال الجيران في بعض الأحيان.. ضيوف شرف في لعبة الخطار...
كان العجوز راقداً في سريره النحاسي اللامع في غرفته التي يغمرها الى النصف ضوء الشمس القادم من الشباك المفتوح .. لم يكن مريضاً –هكذا قال الطبيب:
- إنها الشيخوخة فقط .. اتركوه كي يرتاح .. كي يرحل بهدوءٍ وسلام...
كان يصغي الى أصوات الصغار القادمة من الجهة الأخرى .. أما حفيدته التي كانت تعد الشاي للأقرباء الذين خرجوا للتو من غرفة الشيخ ليجلسوا حول السدرة الكبيرة التي تفرش ظلها على الباحة المفتوحة فلم تلح كثيراً على طفليها كي يخفضوا أصواتهم .. كانت تعلم أن الجد لا ينزعج أبداً من أصوات الصغار مهما علت. ثم إنها كانت تعرف أن الجد قد ضعف سمعه الى حد كبير ..
لكنه .. في هذا الصباح بالتحديد، كان يسمع كل شيء بوضوح عجيب: زقزقة العصافير .. صوت المروحة المنضدية القديمة التي تدير رأسها يميناً ويساراً وكأنها أم حانية تطمئن على من في الغرفة .. ثرثرة الضيوف الذين انصرفوا الى أحاديثهم المعتادة .. وصوت الصغار اللاهين تحت شباكه..
لا .. لم يزعجه صوت الصغار .. "وهل ينزعج إنسان من صوت ملاك؟! " كان هذا ما يقوله في كل مرة يُنهرُ فيها صغيرٌ ويُطالَبُ بالسكوت لكي لا يزعج الرجل العجوز...
وهذان الصغيران الهادئان الوديعان كانا الحلقة الأخيرة في أجيال وأجيال من الصغار الذين حملهم فوق كفه الكبيرة السمراء.. وقبّل جبينهم .. وسّمى عليهم وعوّذهم من الحسد .. وحلق لهم رؤوسهم واشترى لهم الدمى والحلوى والثياب.. وحملهم الى مدن الألعاب ، والحدائق العامة ، ودور السينما الصيفية.. وعلى يديه ذاقوا أول وجبات الكباب عند رأس الجسر القديم .. وعلى كتفيه صعدوا ليشاهدوا مواكب التشابيه الحسينية في أزقة الكاظمية الضيقة وبيديه هو كان يشد أول حذاءٍ مدرسي على أقدامهم الصغيرة .. وأول شريطٍ أبيض على الضفائر الصغيرة المتأرجحة في حبور .. وأول هدية نجاح وهدية عرس.. كان أطفال الأسرة الكبيرة .. أبناء وبنات أبناء العم وأبناء العمة وبنات الخال والخالة والعدلاء والأنسباء الأبعدين .. يعشقون هذا الشيخ القصير المفتول العضلات.. بوجهه الأسمر الذي تشابكت عليه عشرات التجاعيد وكفيه الخشنتين المعروقتين الدافئتين أبداً.... وجيوبه العميقة التي كانت مثل مخزن لا ينتهي .. للدراهم وحبات الليمون والجوز .. وقطع الحلوى .. الحلوى ذات الرائحة المدوخة العجيبة التي لم تعد موجودة في هذه الأيام والملفوفة في ورق ملون جميل .. ورقٍ يلمع بطريقة ما عاد أحد يراها ..
لكن أياً منهم .. من هؤلاء الصبية والصبايا الذين أحبهم وأحبوه .. هؤلاء الصبية والصبايا الذين يعرف أسماءهم وألقاب دلالهم واحداً واحداً.. لم يكن من صُلبه؛ فهو ، كما يعرف الجميع، لم يتزوج قَط .. وحتى حفيدته هذه ، التي أصر يوم ولادتها على تسميتها بهذا الاسم القديم الغريب والتي يلعب صغارها تحت شباكه، لم تكن سوى ابنة ابنة أخيه..
كان أخوه قد غاب قبل أربعين عاماً .. أخذته دورية حدودية عندما كان يرعى أغنامه على مشارف قريته النائية، ثم حملوه الى العاصمة ، الى قصر النهاية .. المكان الذي تقشعر من ذكره الأبدان .. واتهموه ، هو الأمي الساذج البسيط الذي تكاد تشم في ثيابه رائحة العشب وروث الأغنام، اتهموه بالتجسس والتخابر مع دولةٍ أجنبية !
وسافر الأخ الكبير من فوره الى القرية .. ووجد ابنة أخيه الوحيدة قابعة في زاويةٍ من الكوخ الطيني وهي ترتجف وتهذي من الجوع والحمى فحملها الى العاصمة، وتعهد برعايتها حتى استعادت شيئاً من عافيتها ثم انطلق في رحلة البحث عن أخيه وسؤال هذا وذاك والتوسط هنا وهناك حتى طلب منه أحد المخبرين الذين يترددون على القصر الرهيب أن يكف عن البحث:
- "لقد رأيته بأم عيني .. ضربوه وضربوه وهم يسألونه عن شركائه وهو يجيب متوسلاً بعبارة بلهاء واحدة "عمو.. الله دخيل .. عربي ما يعرف" ثم سكت .. خمدت أنفاسه .. فلفّوه في بطانيةٍ عسكرية وشدوه الى "بلوك" من الأسمنت ورموه في النهر... "
لم يخبر أحداً بما سمع، ولم تجرؤ الفتاة على سؤاله .. لكنها لبست السواد ولم تنزعه منذ ذلك اليوم .. وبعد عامين زوجها الى عامل شهم من أقاربه كان هو الآخر ممن شربوا من حنانه .. واشترى لهما هذا البيت الشرقي القديم .. وزرع في "الحوش" المكشوف هذه السدرة الوارفة.. وأنجب الولدان حفنة من الأبناء والبنين .. غادروا المنزل واحداً بعد الآخر ولم تبق غير هذه الحفيدة الصغرى وزوجها المسافر وهذين الصغيرين .. آخر العنقود اللذيذ !
كانت السدرة تكبر وتكبر .. وفي أمسيات الخميس كان يشعل شمعتين ويضع طاساً فضياً مملوءً بماء الورد وبضعة أغضان من الآس في كوة صغيرة بجذع الشجرة ويقرأ الفاتحة. وحين كان الصغار يسألونه عن الشمعتين كان يجيب بهدوء:
- "هذه الشمعة لروح جدكم .. أخي المسكين "
وحين يسألونه عن الشمعة الثانية كان يكتفي بالصمت وتترقرق في عينه دمعة صغيرة فيكف الصغار عن السؤال.
لكن الكبار، الشيوخ الذين عاصروا الجد، كانوا يعرفون سر تلك الشمعة الثانية: إنها لـ "خانم" حبيبته .. خطيبته التي أبعدوه عنها قبل الزفاف بيومين وساقوه الى الحرب .. الى "السفربرلك" .. قبل سنين لا عد لها ... وغاب الرجل طويلاً حتى قيل انه لن يعود .. وأرغمها أهلها على الزواج من تاجر حبوب جوال شدها –مرغمةً- على بغلته وأخذها الى حيث لا يعلم أحد.
- آه يا "خانم" .. يا ذات العيون العسلية والفم الصغير الذي يبدو على الدوام وكأنه يغالبُ –حياءً- ضحكةً مجلجلةً مرحة .. كنتِ تعرفين بأنني حي .. وبأنني سأعود الى قريتنا .. ولهذا جززتِ جدائلك الشقراء .. وشققتِ ثوبكِ حتى بان كتفاك ونحرك الذي مثل قطنٍ مندوف .. وحاولتِ أن تقتلي نفسك مرتين .. ولهذا كان آخر ما سمعه أهلك وأنتِ تبتعدين :
- سأقتل نفسي .. سأقتل نفسي قبل أن يمسني رجلٌ آخر !
أما هو ، فلم يتزوج أبداً .. عرضوا عليه الفكرة مرة ومرتين لكنه رفض في حزمٍ جعلهم يكفون عن الإصرار .. لم يشكُ همه لأحد .. لم يثر أو يحتج .. كان عائداً من الموت .. من الحرب التي لم يكثر من الحديث عنها .. كان يرفض الحديث عن وقائعها ومغامراته فيها رغم انه عاد بإصبعين مبتورين وندبة جرح طويلٍ غائر في خده الأيمن .. ندبةٍ لم تزده إلا وسامةً ورجولة .. وفي ليالي العشر الأوائل من محرم، حين كان الناس يولولون أو يستمعون في ترقبٍ وإثارة الى وقائع المعركة وتفاصيلها كان يبتعد عن الآخرين ويجلس وحيداً .. بقميصه الأسود الذي يزيده أناقةً.. ويبكي .. يبكي بصمت ويربت بهدوء على صدره الأشيب المفتول.. وبين الحين والآخر كان يهمس بلوعةٍ تكاد تشق رئتيه : آخ يا مظلوم !
....
وتلكأت المروحة وكأنها تريد أن تطيل النظر وتمسح العرق عن هذا الوجه الأسمر .. وهذه التجاعيد الغائرة .. وأرسلت نسمةً أخيرة من هواء عليل ثم استدارت في أسفٍ لتكمل دورتها الأبدية..
وضعفت أنفاس العجوز.. لكنه لم يشعر بأي ضيق أو اختناق .. وأخذت دقات قلبه تضعف شيئاً فشيئاً ...
ورأى نفسه فوق أرض طريةٍ كالغمام ... ولاحت أمامه في الضباب اللازوردي بوابة صغيرة من الفضة اشتبكت عليها أغصان اللبلاب .. وتقدم منها وكأنه يسير على الماء .. وتوقف قبالتها لكنه لم يطرق الباب .. وهمس بصوت خفيض:
-دَگ ... دَگ .. دووگ !
ورد صوت من وراء الباب .. صوتٌ خاله أليفاً.. صوت كطعم العسل الجبلي:
- منو ؟
فأجاب بصوت لم يستطع أن يغالب تكسره:
- آني !
- ﭵـِق فـِق !
وانفتح الباب فانهمر منه شلال من الضوء العجيب أضطره لتفاديه بيده .. يده التي لم يلاحظ بأنها صارت ناعمةً .. بيضاء كالثلج ... وأبعد يده رويداً رويداً فإذا بوجهِ صبيةٍ بعيونٍ عسليةٍ لم يخلق الله أجمل منها ..
- يا رب العزة والجلال ! أهذه أنتِ .. هذه أنتِ أخيراً ! خا.....
وانفرجت الشفتان الكرزيتان عن زقزقة لذيذة:
- هلا بيكم عيني !...
وتهدج صوتها .. ولم يعرف إن كانت تغالب ضحكة أم شهقةَ بكاء ..
- هلا بيكم عيني .. تفضلوا ...
وغمر الضوء والعطر كل شيء ...

10/5/2009

‏ليست هناك تعليقات:

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...