ضحك كالبكاء.. ليش ماصرت حرامي


ضحك كالبكاء...ليش ما صرت حرامي؟!

ماجد الحيدر




-"ليش ما صِرِتْ حرامي؟!"
تساءل الولد مستنكراً متذمراً بعد أن رفضتُ للمرة العاشرة طلباً آخر من طلباته "المشروعة" الكثيرة متذرعاً بقلة ذات اليد، وناهراً إياه بالعبارة المكررة التي كنتُ أنهي بها محاججاتي:

-"من أين أجيء لكم بالمال... هل تريدونني أن أصير حرامي؟!"
-"وليش ما تصير حرامي، كان أحسن؟!"

لم أتوقع من صغير بهذا السن أن يتلفظ بهذا الجملة التي أفحمتني تماماً وجعلتني أغرق في مستنقع التأملات. حقاً: ليش ما صرت حرامي؟ واستعذت من الشيطان الرجيم عندما ضبطت نفسي متلبساً بتهمة مراودة نفسي عن نفسي. لكنني لم أستطع أن أمنع "أمّارتي بالسوء" من الانجراف وراء الفكرة التي بدت معقولة، بل ومعقولة جداً إذا نظرنا الى ما يدور حولنا في هذا العالم الذي يكاد يصبح حكراً على "الحرامية" من مختلف الأشكال والألوان:

فالحرامية أناس محترمون، موقرون، مهابون، يكثرون من الظهور على شاشات الفضائيات حيث يخاطبهم المذيعون بكلمات مثل "الأستاذ الفاضل" و"الضيف الكريم" و"معاليكم".

إنهم ينعمون بالأمان والثراء والحريم والقصور والخدم والحشم والحمايات. أما نحن فـ "إحنه ولاد كلب" كما يقول المواطن المسحوق على لسان عادل إمام!

الحرامية حكماء، عمليون، قادرون على التكيّف والتلوّن، يصبحون "الرفيق المناضل" عند الحاجة فيرتدون الزيتوني ويليقُ عليهم والله كما لو أنهم نزلوا من أرحام أمهاتهم ببذلات السفاري التي تتدلى منها "مسدسات طارق" المطلية بالنيكل، ويروحون يلوكون ألسنتهم بلهجة أهلنا في المنطقة الغربية فلا تسمع منهم غير "عَجَل يا به" و "يا ولّو" حتى تحسبهم من أبناء عمومة "صقر البيده حفظه الله"... ثم تراهم يصبحون "سماحة الشيخ" عند الحاجة فإذا بك تكتشف البقعة الداكنة على الجبين وتبصر الخاتم الفضي العملاق في الخنصر الأيمن وإذا بك تلاحظ أنه يخاطبك بكلمة "مولانا" بلكنة لا تجعلك تشك لحظةً واحدة بأنه تربى منذ نعومة أظفاره في مساجد "قم المقدسة"... ثم تراه ينقلب في طرفةِ عينٍ الى "الأخ المجاهد" بـ "دشداشته" القصيرة أو "تراكسوته" الأسود وقاذفة "الآر بي جي" العتيدة، أو تراه بلحيته نصف الحليقة المعطرة وربطة عنقه ذات العقدة الكبيرة جالساً في مقعده الدوار الوثير في غرفته الفخمة التي كتب على بابها "تمنع مقابلات السيد المدير العام إلا بموعد مسبق".

نعم. الحرامية أناسٌ ناجحون في الحب والسياسة والرياضة والفن و"الطاولي" و"البوكر" والمقاولات وعالم المال والأعمال.

الحرامية محصنون، فهم –وعلى عكس المتوقع- لا يطالهم القانون الذي يطال أمثالنا من مدعي النزاهة والاستقامة والالتزام.

الحرامية متفائلون، مقبلون على الحياة، فكهون، يتمتعون بحس الدعابة، وليس في قواميسهم كلمات مثل اليأس أو الإحباط أو المستحيل.

والحرامية يذهبون مذهب عمهم السابق القائل بأن "كل العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا" ويعتقدون جازمين أن كل الناس حرامية وإن لم يسرقوا بعد، وإنها ليست سوى مسألة ظروف أو حظوظ أو مواهب أو افتقار الى الجسارة والإقدام، ولهذا تراهم يدخلون تحويراً بسيطاً على بيت المتنبي الذي يتحدث عن شيمة الظلم لكي يُقرأ بالشكل المبتكر الطريف:

واللطشُ من شِيَمِ النفوسِ فإن تَجِد ذا ذِمَّةٍ .. فَلِعِلَّةٍ لا يلطشُ

نعم، والحرامية محللون سياسيون من الطراز الأول؛ فهم "يتنبئون" بالقرارات الحكومية قبل أن يوضع عليها الرقم والتاريخ.

والحرامية فطنون، ألمعيون؛ يمتلكون معدل ذكاء أعلى بكثير مما نملكه نحن المواطنون العاديون، ويتمتعون بعشرة حواس إضافية فوق الحواس الخمسة أو الستة التي يفخر بها من كان ذا حسٍ منّا؛ فهم يشمون رائحة النقود ولو كانت في صندوق داخل صندوق داخل صندوق، وهم يشعرون باهتزازات الدولار وتقلبات السوق بأحسن مما يشعر به مقياس "ريختر" أو مؤشر "نيكاي"، وهم يقدِّرون بنظرة واحدة الى "الموظف المسؤول" الثمنَ الذي ينبغي دفعه اليه "إكراميةً، لا رشوةً والعياذ بالله" لتمشية صفقاتهم، وقد حباهم الله بقدرة خارقة على توقع نتائج الانتخابات أو التحولات السياسية سواء أكانت "ديمقراطية شفافة" أو "انقلابوية عسكريتارية" أو "وراثية ثورية" فيميلون الى الجانب الرابح دون أن يديروا وجوههم عن الخاسر الذي يتوقعون عودته، وهم قادرون على تحريك الأشياء من مكانها من بعيد، ليس بسبب طاقة كهرومغناطيسة مزعومة بل بمكالمات هاتفية يمكنها أن تنقل جيوشاً أو أساطيل أو ناقلات طائرات أو جنود أو عربات تجرها الحمير كلاً حسب قدرته وتمكنه من فنه، وهم .. وهم.. ولماذا أصدع رؤوسكم بتعداد قدراتهم الخارقة؟ فهم -أو أكثرهم- مكشوفون معروفون لدى القاصي والداني.

غير أنني –وأعوذ بالله من كلمة إنني- لا بد أن أنبّه الى فارق جوهري بين صفة "الحرامي" وصفة "اللص" وهو الفرق الذي قد لا يتبينه بعض القراء الكرام؛ فكلمة "اللص" أو رديفتها كلمة "السارق" وكلمة "دز" التي تقابلها هنا في كردستان أو كلمة thief"" المستعملة في بلاد الحاج بوش، وبعيداً عن التعريفات القانونية التي لا أفقه فيها كثيراً، قد تشير الى من يقتحم البيوت أو الجيوب أو الخزائن ليأخذ منها ما ليس له، وجريمة صاحبها تتراوح بين سطو مسلح على مصرف كبير لحمل الغالي والنفيس على طريقة السيد "شين كونري" أو الإغارة على قوافل الأغنياء والأمراء على طريقة "روبن هود" أو "عروة بن الورد" ورفاقه الصعاليك، وسرقة حفنة من الطحين أو رغيف خبز على طريقة خالد الذكر "جان فالجان" بطل "بؤساء" فكتور هيغو.. ومعلوم لدى القارئ أن بين من ذكرتُ آنفاً أناسا لا يمكن أن ترتاح النفس الى إطلاق لقب الحرامي المخزي عليهم.. بل أن بعضاً منهم صاروا أبطالاً تحتفي بهم الذاكرة الشعبية ومنهم اللص الشريف الذي رسم صورته "أبو ذر الغفاري" حين قال: عجبتُ لمن لا يجد في بيته قوت عياله كيف لا يخرج الى الناس شاهراً سيفه!

أما الحرامي فهو شخص من طينةٍ أخرى؛ فقد لا يقتحم بيتاً أو مصرفاً أو ينقب جداراً أو يفتح خزانة، لكنه حرامي ابن سطعش حرامي حين يتلاعب بأقوات الخلق وأرزاقهم ويستغل نفوذه أو منصبه أو سطوته ليعب في جيوبه وأرصدته ما شاء من السحت الحرام الذي يستطيع بقليل من المهارة والذكاء أن يضفي عليه ما شاء من "مخارج" دينية أو أخلاقية أو قانونية.

كنت غارقاً في هذه التأملات "التحريفية الرجعية" عندما وقع نظري على صورة وجهي في المرآة، فتوقفت قليلاً كي أتأمله ثم رحتُ أسألُ نفسي: بشرفك هذا وجه مال حرامي؟!

وعدت لأستعرض "المواهب والخصال الفريدة" التي ينبغي أن يتمتع بها من يريد الحصول على هذا اللقب المشَرِّف فوجدتني خالي الوفاض منها، فلجأتُ الى حيلةٍ قديمة أخرى إذ حلمتُ بأنني صرتُ في موضع المرحوم "علي بابا" وأنني اكتشفت "خارطة الطريق" الى مغارة على بابا وعرفت كلمة السر عن طريق الانترنت واستغليتُ فرصة منع التجوال الليلي فقدتُ عشراً من الحمير الحساوية الى حيث المغارة الموعودة. غير أن نشوة الحلم اللذيذ سرعان ما تبخرت من رأسي حين استعرضت "بمنتهى الشفافية والوضوح" السيناريوهات المحتملة لقصة "أنا بابا والأربعين حرامي" وإليكم بعضٌ منها لكي تكون عبرةً للأجيال الواعدة في عراقنا الجديد:

أولاً: في منتصف الطريق أكتشف بأن الخارطة ليست معي فأتفقد ثيابي وحميري بحثاً عنها دون جدوى فأعود سالكا نفس الطريق مبسمراً عيني على الأرض علني أعثر عليها، ثم أتذكر بأنني تركتها مع الجرائد والمجلات القديمة المكومة فوق سريري فأعود مهرولاً الى البيت لتخبرني جاريتي "كهرمانه" بكل صلف ووقاحة بأنها "ذبَّت" جميع أوراقي "المكطنّة" في الزبالة لغرض تنظيف البيت استعدادا لشراء "طقم القنفات" المذهّب الجديد وغرفة النوم "أم ست بوب" التي وعدتها بهما حال عودتي ظافراً بالكنز. وأركض الى كومة الأزبال التي ترقد في أمان في "راس الدربونة" منذ ثلاث سنوات فأجد ويا للعجب أن البلدية قد تذكرت منطقتنا (بسبب اقتراب الانتخابات) وأرسلت الينا سيارة نقل الأزبال منذ الصباح الباكر، فأركض كالمجنون نحو القسم البلدي القريب ليخبرني "سيد وهاب" نائب رئيس المجلس البلدي أن السيارة بحمولتها ومن فيها من عمال مساكين قد تحولت الى أشلاء ودخان بفعل عبوة ناسفة وضعها واحد من "الشرفاء أولاد الـ...".

ثانياً: أصل الى باب المغارة سالماً غانماً ومعي الخارطة العزيزة، وسوف أقضي الطريق بطوله مترنماً بما حفظته منذ صباي من أغاني "داخل حسن وحضيري أبو عزيز" وعندما أترجل عن حماري أمام المغارة تختلط علي كلمة السر وتشتبك مع كلمات الأغاني فأحاول –وأنا النسّاء العظيم- أن أتذكرها دون جدوى حتى يحل المساء ويعود اللصوص ليجدوني واقفاً فاتحا فمي كالأبله فيسلمونني الى أصدقائهم الأمريكان ومنه الى سجن "بوكا" وهناك أفقد عقلي وذاكرتي الى الأبد.

ثالثاً: بعد أن أصل الى المغارة وأفتح بابها وأتأمل كنوزها أغرق مع نفسي في "مونولوج داخلي" حول مشروعية العمل الذي سأقدم عليه، وهل من الجائز أو المبرر أخلاقياً أن تسرق من سارق أم إنك والسارق الأول تخضعان للحكم الأخلاقي ذاته ناهيك عن مسألة كون بعض هذه المقتنيات من الآثار التي تمثل "تاريخنا المجيد الحافل بالانتصارات والإنجازات" ومن العيب "كلِّش" استغلالها لأغراض أنانية فردية. وعندما أعجز عن الوصول الى نتيجة حاسمة أريح بها ضميري أغادر المغارة مع حميري خالي الوفاض مقررا تأجيل الموضوع لحين التوصل الى نتيجة مرضية للطرفين: أنا وضميري.

رابعاً: وهو سيناريو محتمل لا أخجل من ذكره: ينتابني الخوف في منتصف الطريق وأروح أستعرض ما قد يلحقه بي اللصوص إذا قبضوا علي في المغارة أو عرفوا مكاني بعد السطو على كنوزهم وخصوصاً مع قلة الموجود في السوق من زيت يمكن أن تصبه كهرمانة على رؤوس اللصوص الذين سيتسللون الى بيتي داخل الجرار الكبيرة كما تفترض الحكاية، فألملم أذيالي وأسلم سيقاني للريح.

خامساً: انكشاف أمري ووصول خبر ثروتي الكبيرة الى السادة "العلاّسة" المحترمين، وعندها ستضيع الثروة المذكورة زائداً رأسي العزيز.

سادساً: بما أني من الأشخاص الحالمين الرومانسيين البطرانين على ربهم فمن المحتمل جداً أن أقضي النهار بطوله داخل المغارة متأملاً جمال التحف الثمينة ومحاولاً تقدير أعمارها والمدرسة الفنية التي ينتمي اليها مبدعوها وحائراً في اختيار أكثرها جمالاً بغض النظر عن قيمتها المالية أم أكثرها قيمة في السوق بغض النظر عن قيمتها الفنية، ولا أشعر بنفسي إلا والأربعون حرامي على رأسي فيضحكون مثل "محمود المليجي" ثم يشرعون بتقطيعي الى مكعبات صغيرة.

وهكذا توصلتُ في النهاية الى نتيجة مفادها أنني لا أصلح لهذه المهنة المريحة المربحة المحترمة: مهنة الحرامي، وأنني سأظل طوال ما تبقى من العمر مواطناً فاشلاً لا يملك غير أن ينتظر آخر الشهر ليقبض ما يقرره "سلم الرواتب" من دنانير يرقّع بها ثوب عيشه المتخرق..

وطوبى لكم أيها الحرامية.. يا سادة العصر وكل عصر.. أما أنتم أيها الشرفاء، أعني الفاشلين العاجزين المولولين، فاذهبوا الى الجحيم، نعم الى الجميع تحديداً، فالحرامية قد سبقوكم الى ملكوت الرب!






هناك تعليق واحد:

اسماعيل الجبوري يقول...

الاستاذ ماجد الحيدر
تحية عراقية اخوية
ان مقالتك رائعة وهي وصف دقيق لساسة العراق عبر العصور والازمان فهم حرامية لصوص يتخذون كل وجه لخداع العراقين في كل الاحيان لحب العراقيين للشخصنة ويمجدون هذا الحرامي حد العبادة حكام لصوص يمجدهم فهذا هاشمي وذاك تكريتي واخر حسيني والرابع مالكي وكلهم اغرقوا العراق في الدم والعويل والنواح
لا باب مفتوح للعدل والانصاف بل نفق مظلم حتى قيام الساعةفي عراق الحظارات

بحث هذه المدونة الإلكترونية